أحمد بن محمود السيواسي

150

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 62 ] وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 62 ) ( وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ) أي لا نظلم منهم أحدا بل نأمر كل نفس بقدر طاقتها وإن لم تبلغ السابقين ( وَلَدَيْنا كِتابٌ ) أي عندنا كتاب حاضر هو اللوح ( يَنْطِقُ بِالْحَقِّ ) بما سطر فيه من الأعمال والأقوال ( وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) [ 62 ] أي لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 63 ] بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ ( 63 ) ( بَلْ قُلُوبُهُمْ ) أي قلوب أهل مكة ( فِي غَمْرَةٍ ) أي في غفلة ( مِنْ هذا ) أي من الإيمان « 1 » أو من الذي أعد لهم من العذاب أو من الوصف الذي ذكرنا للمؤمنين ( وَلَهُمْ ) أي للمؤمنين ( أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ ) أي سوى ما عملوا من الخيرات ( هُمْ لَها عامِلُونَ ) [ 63 ] بعد فيثابون ، لأنها صارت عادة لهم فلا يفطمون عنها فيأتيهم اللّه بالعذاب . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 64 إلى 65 ] حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ ( 64 ) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ ( 65 ) قوله ( حَتَّى إِذا أَخَذْنا ) « حتى » فيه هي التي يبتدأ بها الكلام وهو الجملة الشرطية ( مُتْرَفِيهِمْ ) أي متنعميهم ( بِالْعَذابِ ) وهو قتلهم بالسيف يوم بدر أو بالجوع حين دعا عليهم النبي عليه السّلام ، وهم أهل قريش حين قال : « اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف عليه السّلام » « 2 » ، فقحطوا حتى أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحترقة ( إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ ) [ 64 ] جواب « إِذا » الشرطية ، و « إِذا » فيه بمعنى الفاء الجزائية ، أي يصيحون ويتضرعون إلى اللّه استغاثة حين نزل بهم العذاب قلنا ( لا تَجْأَرُوا ) أي لا تصرخوا ( الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ ) [ 65 ] من عذابنا . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 66 ] قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ ( 66 ) ( قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ ) أي القرآن يعرض عليكم ( فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ ) [ 66 ] أي ترجعون إلى شرككم . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 67 ] مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ ( 67 ) ( مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ ) أي متعظمين بالبيت العتيق « 3 » ، واستكبارهم به أنهم كانوا يقولون لا يغلب أحد علينا ، لأنا أهل بيت اللّه ويفتخرون به ولم يسبق ذكر البيت لكونه معلوما عندهم أو الضمير في « بِهِ » للقرآن أو لمحمد عليه السّلام ، أي مكذبين به ، لأنهم إذا سمعوا القرآن أو رأوا محمدا عليه السّلام كذبوهما وازدادوا كبرا ، قوله ( سامِراً ) حال بعد حال ، قيل : هو اسم جمع كالحاضر « 4 » ، والسمر الحديث بالليل ، لأنهم كانوا يسمرون بالقرآن وطعنه حول البيت بالليل ، وكذا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وطعنه بتسميته شاعرا أو ساحرا ، وقوله ( تَهْجُرُونَ ) [ 67 ] حال أخرى ، من هجر إذا ترك ، أي تهجرون الإيمان باللّه والقرآن ، والهجر بالفتح الهذيان وهو ترك الصواب وبالضم الفحش في المنطق . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 68 ] أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ ( 68 ) ( أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ ) أي القرآن ، والتدبر إحضار القلب للفهم ، يعني أفلم يحضروا قلوبهم في القرآن ليعلموا أنه الحق فيؤمنوا به وبمن جاء به ( أَمْ جاءَهُمْ ) أي بل أجاءهم من الأمان من العذاب ( ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ ) [ 68 ] أي الأمم المتقدمة ، ولذلك أنكروه ، والمعنى : بل أجاءهم من الأمر الشديد ما لم يأت أباءهم الأولين كإبراهيم وإسماعيل وأولاده حين خافوا اللّه وآمنوا به وبكتبه ورسله وأطاعوه ، فان هؤلاء من عدنان وقحطان .

--> ( 1 ) بالقرآن ، + ي . ( 2 ) رواه مسلم ؛ المساجد ، 294 ، 295 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 4 / 153 . ( 3 ) العتيق ، ح ي : - و . ( 4 ) أخذ المفسر هذا الرأي عن الكشاف ، 4 / 105 .